فقر الدم بعوز الحديد هو ما يحدث حين يفتقر الجسم إلى الحديد إلى درجة يعجز معها عن بناء ما يكفي من الهيموغلوبين — البروتين الذي تستخدمه كريات الدم الحمراء لنقل الأكسجين. وهو أكثر أشكال فقر الدم شيوعًا في العالم، وبحسب منظمة الصحة العالمية هو أوسع أنواع نقص التغذية انتشارًا، وأشدّها وطأةً على النساء في سنّ الحيض والأطفال الصغار والحوامل. والحديد يفعل أكثر من ملء الكريات الحمراء: فهو يشغّل الإنزيمات التي تعتمد عليها العضلات والأعصاب، ولذلك يُشعَر بنقصه في الجسم كلّه قبل أن يصبح شديدًا بوقت طويل. ويُؤكَّد بسحب دم بسيط: إذ يكفي انخفاض الهيموغلوبين مع انخفاض الفيريتين — مؤشّر الحديد المخزَّن — لتشخيصه لدى معظم الناس.
مَن الأكثر عرضة له
يغادر الحديد الجسم مع الدم، لذا فإنّ أيّ شيء يستنزف الدم أو يرفع الحاجة إليه قد يُفرغ الخزّان ببطء، وكثيرًا ما يتراكم أكثر من عامل في الوقت نفسه. وأكبر الفئات هي:
- النساء ذوات الدورات الشهرية الغزيرة أو الطويلة — السبب الأكثر شيوعًا على الإطلاق في سنّ الإنجاب.
- الحمل، الذي يضاعف تقريبًا احتياجات الحديد.
- الأطفال والمراهقون في مرحلة النموّ، ورياضيو التحمّل الذين يفقدون كمّيات صغيرة عبر الأمعاء والعرق.
- كلّ مَن لديه نزف بطيء في الجهاز الهضمي — قرحة أو سلائل، أو — وهو أمر مهمّ لدى الرجال والنساء بعد انقطاع الطمث — سرطان القولون والمستقيم.
- الأنظمة الغذائية الفقيرة بالحديد القابل للامتصاص (بعض الأنماط النباتية والنباتية الصِّرفة) والحالات التي تعيق الامتصاص: الداء البطني، وHelicobacter pylori، والتهاب المعدة المناعي الذاتي، وجراحة السمنة، أو أدوية تثبيط الحمض طويلة الأمد.
- المتبرّعون بالدم بانتظام، الذين قد يستنزفون مخزونهم مع الوقت.
الأعراض
يتطوّر نقص الحديد ببطء شديد حتى إنّ كثيرين يتأقلمون دون أن يلاحظوا، وشدّة الأعراض تعكس سرعة تطوّر النقص بقدر ما تعكس مدى انخفاض القيم — فالاستنزاف البطيء على مدى أشهر قد يترك المرء قادرًا على أداء مهامّه بدرجة مفاجئة رغم انخفاض الهيموغلوبين، بينما يكون الهبوط الأسرع أشدّ وطأةً بكثير. وحين تظهر الأعراض، يتصدّر القائمة التعب وقلّة الطاقة، وغالبًا مع ضيق النَّفَس عند المجهود الخفيف، وتسارُع ضربات القلب، وشحوب الجلد، والصداع، والدوخة. والحديد مهمّ إلى ما هو أبعد من الدم بكثير، لذا يظهر النقص أيضًا في صورة أظافر هشّة أو ملعقية الشكل، وترقّق شعر منتشر، ولسان مؤلم أو أملس، وتململ الساقين الذي يزعج النوم — يُشعَر به أحيانًا في صورة تشنّجات الساق الليلية — واشتهاء الثلج أو موادّ غير غذائية. ولأنّ هذه الأعراض تتداخل تقريبًا تمامًا مع خمول الغدة الدرقية، يسهل الخلط بينهما؛ ويوضّح دليلنا حول نقص الحديد مقابل قصور الغدة الدرقية لدى النساء كيف تفرّق بينهما التحاليل. وإذا كان منطلقك عَرَضًا لا تشخيصًا معروفًا، فإنّ دليل الأعراض يرشدك إلى قائمة التحاليل المناسبة.
التحاليل التي تؤكّده
يقوم التشخيص على طبقتين: تعداد دم يكشف فقر الدم، ودراسات حديد تُثبت أنّ الحديد هو السبب. ويُطلبان معًا لأنّ انخفاض الهيموغلوبين وحده لا يقول سوى أنّ الدم رقيق، لا لماذا هو كذلك.
يحدّد الهيموغلوبين فقر الدم نفسه. فتعدّه منظمة الصحة العالمية فقر دم حين يقلّ عن نحو 12 g/dL لدى النساء غير الحوامل و13 g/dL لدى الرجال (وتصف الوحدتان g/dL وg/L النتيجة نفسها — ويساعد محوّل الوحدات إذا كان مختبرك يبلّغ بالوحدة الأخرى).
وتصقل مؤشّرات كريات الدم الحمراء الصورة: ففي نقص الحديد تُصنَع الكريات صغيرة وشاحبة — انخفاض MCV وMCH — وهو النمط الكلاسيكي صغير الكريات ناقص الصباغ الذي يميّز نقص الحديد عن أنواع فقر الدم الأخرى من نظرة واحدة.
والفيريتين هو التحليل الحاسم. فهو يعكس الحديد المخزَّن، وهو المؤشّر الأكثر نوعيةً على النقص — إذ لا يخفضه شيء آخر تقريبًا. وتعتبر NICE أنّ الفيريتين دون 30 ng/mL يدلّ على نقص الحديد، بينما تضع منظمة الصحة العالمية المخزون المستنفَد عند 15 µg/L. ونقطته العمياء الوحيدة: أنّ الفيريتين يرتفع مع الالتهاب، فقد يظهر طبيعيًا على نحو كاذب أثناء المرض.
ويقيس حديد المصل الحديد المنتشر في لحظة سحب الدم ويكون منخفضًا، لكنّه يتأرجح مع الوجبات وساعة النهار، لذا لا يُقرأ وحده أبدًا.
ويفعل TIBC — القدرة الكلية على ربط الحديد — العكس، إذ يرتفع في النقص لأنّ الجسم يصنع مزيدًا من بروتين النقل ليلتقط ما يستطيع من الحديد.
وتجمع نسبة تشبّع الترانسفيرين بين حديد المصل وTIBC في نسبة مئوية واحدة؛ فوجودها دون نحو 20% يدعم نقص الحديد، وهي مفيدة بوجه خاصّ حين يحجب الالتهاب دلالة الفيريتين.
ترتيب الفحص: يبدأ معظم الأطباء بتعداد الدم الكامل والفيريتين، ثمّ يضيفون حديد المصل وTIBC ونسبة تشبّع الترانسفيرين حين يكون الفيريتين حدّيًا أو الالتهاب مرجَّحًا. وغالبًا ما يُطلب البروتين المتفاعل C (CRP) في الوقت نفسه للكشف عن التهاب قد يُبقي الفيريتين مرتفعًا على نحو كاذب، وتُبلّغ بعض المختبرات عن هيموغلوبين الخلايا الشبكية، الذي يبيّن كم من الحديد يصل إلى الكريات الحمراء الحديثة تمامًا في هذه اللحظة.
كيف تُقرأ النتائج معًا
- فقر الدم بعوز الحديد الكلاسيكي: فيريتين منخفض + هيموغلوبين منخفض + حديد مصل منخفض + TIBC مرتفع + نسبة تشبّع ترانسفيرين منخفضة، مع كريات حمراء صغيرة وشاحبة. تشير المجموعة كلّها في اتّجاه واحد.
- نقص الحديد دون فقر دم: الفيريتين منخفض لكنّ الهيموغلوبين لا يزال طبيعيًا — الخزّان شبه فارغ لكنّ النقص لم يبلغ الدم بعد. وهذه هي المرحلة التي يجدر التقاطها، لأنّ الأعراض كثيرًا ما تبدأ هنا.
- نقص يحجبه الالتهاب: يظهر الفيريتين طبيعيًا أو مرتفعًا رغم وجود نقص حقيقي؛ ويكشف انخفاض نسبة تشبّع الترانسفيرين إلى جانب ارتفاع CRP هذا الفخّ، وقد يحسمه فحص مستقبِل الترانسفيرين الذائب (sTfR).
- كريات صغيرة مع حديد طبيعي: انخفاض MCV مع فيريتين ونسبة تشبّع ترانسفيرين طبيعيَين أو مرتفعَين ليس نقص حديد — فسِمة الثلاسيميا وفقر دم الأمراض المزمنة قد يحاكيان تعداد الدم، لذا توقف دراسات الحديد إلقاء اللوم على الحديد ومعالجته خطأً.
الخطوات التالية
للعلاج شقّان: تعويض الحديد ومعرفة سبب نفاده. يصحّح الأطباء النقص بالحديد، ويؤخذ عادةً عن طريق الفم؛ ويُمتصّ على نحو أفضل مع فيتامين C وعلى معدة فارغة نسبيًا، وإن كان كثيرون يتحمّلونه على نحو أيسر مع الطعام أو يومًا بعد يوم، وحين لا تُحتمَل الأقراص أو لا تُجدي — أو حين يفوق الفقد التعويض — يكون تسريب الحديد الوريدي خيارًا يمكن للطبيب ترتيبه. ثمّ يُعاد فحص الدم: إذ ينبغي أن يرتفع الهيموغلوبين خلال بضعة أسابيع، بينما يمتلئ الفيريتين ببطء، لذا يُعاد فحص المخزون عادةً بعد نحو 8–12 أسبوعًا، ويستمرّ العلاج غالبًا بضعة أشهر بعد التعافي لإعادة بناء الاحتياطي بالكامل. ولا يقلّ السبب أهمّيةً: فالنقص غير المبرَّر لدى رجل أو امرأة بعد انقطاع الطمث يستدعي فحص الجهاز الهضمي، وقد تقود الدورات الشهرية الغزيرة إلى مراجعة نسائية. والغذاء يساعد لكنّه نادرًا ما يعكس وحده نقصًا مستقرًّا. ولا تبدأ بتناول الحديد بجرعات عالية دون فحص — فتناوله عشوائيًا قد يحجب مصدر نزف، وقد يضرّ لدى القلّة الذين لديهم فرط حمل حديد. وينسّق طبيب الرعاية الأولية إعادة الفحص وأيّ إحالة.
متى تراجع الطبيب
اطلب رعاية في اليوم نفسه أو رعاية طارئة عند ألم الصدر أو ضيق النَّفَس الشديد أو الإغماء — فهي علامات على أنّ فقر الدم يُجهِد القلب. واحجز موعدًا عاجلاً عند وجود براز أسود أو مدمّى، أو تقيّؤ دم، أو فقدان وزن غير مبرَّر، وعند أيّ نقص حديد جديد لدى رجل أو امرأة بعد انقطاع الطمث، إذ يستلزم فحص الجهاز الهضمي دون تأخير طويل. والحمل المصحوب بتعب أو ضيق نفس يستحقّ فحصًا مبكرًا، إذ إنّ احتياجات الحديد عالية والنقص شائع.


